وهبة الزحيلي
18
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
والمعاش ، كما قال تعالى : أَ لَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ ، لِيُرِيَكُمْ مِنْ آياتِهِ ، إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ [ لقمان 31 / 31 ] . وقيل : الذرية : آباؤهم الذين حملوا في سفينة نوح عليه السلام ، وهي السفينة المملوءة بالأمتعة والحيوانات التي أمره اللّه تعالى أن يحمل فيها من كل زوجين اثنين ، حفاظا على أصول المخلوقات . والمعنى : أن اللّه حمل آباء هؤلاء وأجدادهم في سفينة نوح . وَخَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ أي وخلقنا للناس مثل تلك السفن سفنا برية وهي الإبل ، فإنها سفن البر يحملون عليها ويركبون عليها ، لكن قال الرازي : الضمير في مِثْلِهِ عائد إلى الفلك ، على قول الأكثرين ، فيكون هذا كقوله تعالى : وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْواجٌ [ ص 38 / 58 ] وعلى هذا فالأظهر أن يكون المراد الفلك الآخر الموجود في زمانهم ، وليس المراد الإبل . ويؤيد هذا قوله تعالى هنا : وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ . ولو كان المراد الإبل ، لكان قوله : وَخَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ فاصلا بين متصلين . ويحتمل أن يعود الضمير إلى معلوم غير مذكور تقديره : من مثل ما ذكرنا من المخلوقات ، مثل قوله تعالى هنا : لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ « 1 » وعلى هذا ، الآية تشمل كل وسائل النقل الحديثة من سيارات وقطارات وطائرات . ونظير الآية قوله تعالى : وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً ، وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ [ النحل 16 / 8 ] . ودليل رحمته ولطفه تعالى حفظ الركاب في تلك الوسائط ، فقال : وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ ، فَلا صَرِيخَ لَهُمْ ، وَلا هُمْ يُنْقَذُونَ أي وإن نرد إغراقهم في الماء مع حمولاتهم ، فلا مغيث لهم يغيثهم مما هم فيه ، أو ينجيهم من الغرق ، ولا هم ينقذون مما أصابهم .
--> ( 1 ) تفسير الرازي : 26 / 81 ، تفسير الألوسي : 23 / 27